مذكّرات أبو ماهر اليماني: تجربتي مع الأيام - عرب 48

فلطسين اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من الكتب التي أحب قراءتها هي سير القادة والمفكرين وكبار الفنانين والأدباء والعلماء والمناضلين لأجل حرية شعوبهم والإنسانية! لأن وراء ما نراه من نشاط هؤلاء ونجاحاتهم وإبداعاتهم تكمن الحياة الحقيقية.

"قام المصلّون بعد صلاة الجمعة في الأقصى بمظاهرة صاخبة احتجاجًا على سياسة الحكومة، وفي اليوم ذاته سمحَت لليهود في التظاهر ورفع العلم الصهيوني وأخذوا ينشدون نشيد ’هتكفا’ الأمل، وشتموا المسلمين وأطلقوا صيحات التحدي والاستفزاز، سارت قوات الشرطة إلى مهاجمة المتظاهرين العرب، واعتقلت المئات منهم، وتوتّرت الأخبار عن نية الصهاينة في شن هجوم، فتدفّق أهالي القرى من المنطقة المحيطة بالقدس بأعداد كبيرة، وعمّت الاضطرابات في المدن الأخرى واعتقلت قوات الاحتلال أكثر من ألف متظاهر وقدمت 900 منهم إلى المحاكمة".

يتبادر لأول وهلة، أنّ هذا تقرير عن أحداث الأقصى في هذه الأيام، في العام 2022، ولكن إذا واصلنا القراءة سنعرف أن الحديث يعود لتسعة عقود، "كانت أشدُّ الاضطرابات في نابلس والخليل وصفد ويافا وطبرية والجاعونة"!

الحديث هنا عن عام 1929، وهذا نجده في "مذكرات أحمد حسين، أبو ماهر اليماني" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السِّياسات.

وجاء في الكتاب أنه "ولد أحمد حسين اليماني عام 1924 في سحماتا في الجليل، وتخرّج من الكلية العربية في القدس، انخرط في صفوف الحركة العمالية، مناضلا في جمعية العمال العربية الفلسطينية، ومقاتلا في معارك الجليل في عام النكبة، ثم معلِّمًا مثابرًا في لبنان بعد خروجه القسري من فلسطين، وناشطًا في تنظيم العمل الجماهيري في المخيمات، وشَغَل منصب عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس دائرتيّ التنظيم الشعبي وشؤون العائدين فيها".

بعد المقدمة التي كتبها الدكتور الراحل جورج حبش، يبدأ الفصل الأول "في فلسطين" وأجواء الريف الفلسطيني، في قريته سحماتا.

عندما كان في السادسة من عمره رافق والده إلى عكا، وهناك شاهد حشدًا كبيرًا من الناس، وقد ظنَّ أنَّه حفل زفاف، ولكن تبيّن أنَّه عرس شهداء ثورة البراق الثلاثة، عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، وبقيت صورة الثلاثة المعلقين في ساحة سجن عكا المركزي عالقة في ذهنه إلى الأبد. كان هذا في حزيران/يونيو 1930، هكذا تفتَّحت عينا الطفل، على الظلم الاستعماري.

يتحدث الكاتب عن خلفية ثورة البراق السياسية بعد أن تبنّت عصبة الأمم وعد بلفور في صك الانتداب عام 1922، وراحت تسِنُّ القوانين لتسهيل الهجرة اليهودية، وانتزاع مساحات واسعة من الأرض الأميرية من الفلاحين العرب، وطردهم منها ومنح مئات آلاف الدونمات منها للشركات الصناعية اليهودية!

وختم أحد حسين اليماني القرآن في الكُتّاب على يد الشيخ بدر توفيق قدورة، وتعلم سبك بعض الجمل، ثم انتقل إلى المدرسة الابتدائية التي كانت مؤلفة من أربعة صفوف بإدارة الأستاذ خليل الديماسي من عكا، وبعد عام نُقل المعلم خليل إلى بلدة مجد الكروم، وأحضروا مكانه معلمًا يدعى صلاح النَّحوي من مدينة صفد، في يوم ما طلب الأستاذ صلاح من الطلاب أن يكتبوا ما يشاؤون لفحص سلامة لغتهم، فكتب اليماني بعض أبيات شعر كان يحفظها.

يا أيها الرَّجل المعلِّمُ غيرَه/ هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

تصفُ الدّواء لذي سقام وذي الضنا/ كيما يصِحُّ به وأنت سقيمُ

وتراك تصلح بالرشاد عقولنا/ أبدًا وأنت من الرَّشاد عديم...

فكان ردُّ فعل الأستاذ ساخطًا، وقد ظنّ أنه مقصودٌ، وأوسع الطالب ضربًا، وطرده من الصف وهو يشتمه، وبأن لا يعود إلى المدرسة إلا برفقة والده.

بأسلوب جذّاب نمضي مع الكتاب على مساحة 530 صفحة من الحجم الكبير، معتمدًا فيها على تجربته الشخصية وعلى مئات المصادر والوثائق.

تجربة تحكي قصة الصراع في فلسطين. يعتقل عام النكبة في نهلال ويطرد إلى لبنان، ليصل إلى مكان إقامة والديه في ميناء طرابلس، فيكتشف أن والده عاد إلى فلسطين للبحث عنه.

يبدأ الفصل الثاني" في دنيا الشتات"، وتفاصيل العمل لأجل المعيشة والبدء بالعمل التنظيمي والعلاقة مع الأخوة اللبنانيين، ثم العودة إلى نابلس عام 1949 والعمل النقابي في ظل النظام الأردني، ثم عودة إلى طرابلس وبدء العمل في التدريس.

ننتقل إلى الفصل الثالث "الميدان التنظيمي والمهني"، وتأسيس "المنظمة العسكرية لتحرير فلسطين"، ومطالبة الجامعة العربية بإتاحة التدريب للشباب الفلسطيني، فالانتقال من النظرية إلى العمل وبداية "تنظيم الشباب الفلسطيني في لبنان"، "اتحاد عمال فلسطين في لبنان"، "رابطة المرأة واللجان الشعبية"، "الحركة الكشفية"، وغيرها من عناوين وأنشطة وتنظيمات.

الفصل الرابع "في إطار حركة القوميين العرب"، اللقاء مع وديع حداد ثم مع الدكتور جورج حبش، وتأسيس شعبة حركة القوميين العرب في لبنان. الجناح العسكري لحركة القوميين العرب، وتشكيل رابطة الطلاب الفلسطينيين الجامعيين في لبنان، والتحرّكات التنظيمية خارج لبنان، ومحاولة بناء تنظيم في فلسطين المحتلة، ثم اللقاء الأول مع الرئيس جمال عبد الناصر عام 1959 في دمشق بمناسبة قيام الجمهورية العربية المتحدة، التي شملت إعلان الوحدة بين سورية ومصر.

ثم الفصل الخامس ويحكي تجربته في إطار م.ت.ف، وفكرة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية.

قدم للكتاب الدكتور الراحل جورج حبش ومما جاء في مقدِّمته: "إن إيمان أبو ماهر بأن فلسطين جزءٌ لا يتجزَّأ من الوطن العربي، وأن الشعب الفلسطيني جزءٌ لا يتجزأ من الأمة العربية، هو الذي يفسر مواقفه وممارساته التي ربطت بشكل عضوي وجدلي بين الوطني والقومي، فقد قادته خبرته وتجربته الطويلة في معمعان النضال، إلى استخلاص العبر والدروس التي يأتي في مقدمتها أن البعد الفلسطيني ليس نقيضًا للبعد القومي، بل يشكّل حلقة أساسية في معركة المواجهة والتحرير".

أخيرًا أود أن أشكر الصديق النّاشط السياسي جمال شعبان من جديدة المكر الذي رأى بأن يهديَني الكتابين، وذلك بعد حديث دار بيننا حول العمل النقابي في فلسطين قبل النكبة، وهو موضوع الكتاب الثاني من تأليف أبو ماهر "جمعية العمال العربية الفلسطينية في حيفا" التي كان رئيسها إبان النكبة المرحوم سامي طه الذي اغتيل في أيلول/سبتمبر عام 1947، وكنت قد نشرت مقالا عنه في "عرب 48".

هذه المذكرات ثروة في المعلومات بنكهة أدبية راقية، ومهمة جدًا لكل من يتعامل مع الشأن الفلسطيني، فهي تجربة إنسانية إلى جانب كونها توثيقًا تاريخيًا لتجربة سياسية من تاريخ شعبنا وحقبة استعمارية جديدة، بدأت منذ قرن وما زالت أحداثها مستمرة ولا يبدو في الأفق أن نهايتها قريبة.

المزيد ...

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

يلا شوت