حكومة الأردن و«مبايعة» تحديث المنظومة: أين «الولاية العامة» مجدداً؟

جي بي سي نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

جى بي سي نيوز -  بسام البدارين :- يعترض القطب البرلماني الإسلامي الأردني صالح العرموطي، بجملة حادة نسبياً على كلمة الحكومة التي تحمل عنوان تمرير توصيات ومخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية الملكية كما وردت إلى البرلمان.
جملة العرموطي المعترضة تستوجب التأمل، ووجهة نظره المعلنة بأن التمرير المشار إليه ينتقص من الولاية العامة والدستورية للسلطة التنفيذية؛ لأنها تمثل الجهة التي تحيل القوانين والتشريعات إلى مجلس النواب.
ويبدو حسب هذا المنطق وقد ناقشته «القدس العربي» مع العرموطي مباشرة عدة مرات، أن الحكومة ينبغي أن لا تتطوع للتنازل عن ولايتها العامة في مظهر يؤثر سلباً في الاحتكام للدستور حتى أمام قوة سياسية ومعنوية تمثلها اللجنة الملكية الاستشارية، والتي أصبحت الآن رقماً أساسياً في الإيقاع السياسي العام في البلاد.
طبعاً، العرموطي من الجيل العتيق، وحاول المناورة تعليقاً على إعلان وزير التنمية السياسية المخضرم موسى المعايطة، عندما قال بأن الحكومة ستحيل توصيات ومخرجات اللجنة إلى البرلمان، بما فيها الأسباب الموجبة.
المعنى هنا أن الحكومة تبايع علناً وفوراً مخرجات اللجنة الملكية امتثالاً منها بوضوح للالتزام الذي أعلنه الملك شخصياً وبصفته الدستورية كرأس للدولة ولجميع السلطات، بأن تتبنى حكومته المخرجات دون تأثير أو تعديل، وتحيلها إلى مجلس النواب، ثم تخضع تلك المخرجات للمقتضى الدستوري.
الوزير المعايطة كان قد أكد أكثر من مرة أمام «القدس العربي» أن الاستمرار في حالة النقاش لم يعد هو الطريق السليم، وأن المضي قدماً إلى الأمام هو الأصح. لكن المفارقة الدستورية التي يقترفها العرموطي، لها علاقة بالإجابة عن السؤال الذي طرحه أصلاً مبكراً السياسي والبرلماني الدكتور ممدوح العبادي، بعنوان: « كيف نمضي قدماً إلى الأمام أساساً؟». وهو سؤال يتفق العبادي فيه مع العرموطي على أن الاحتكام للدستور دوماً وأبداً هو الأساس.
لكن لأغراض المصلحة العامة والاستجابة الفعالة وتجنباً لترف ضغط الوقت، تعلن الحكومة المصادقة، حتى دون نقاش، على مخرجات لجنة أفقية التمثيل الاجتماعي انتهت بعد أربعة أشهر بوثيقة تشكل خارطة طريق حزبياً وانتخابياً ولها قوة معنوية ناتجة عن: أولاً، التوافق بمعناه الاجتماعي والمؤسساتي، ثانياً، الغطاء الملكي.
يبدو السجال هنا طريفاً، فبرلماني مثل العرموطي يعترض على ما لا تعترض عليه الحكومة، ويوحي ضمناً بأن على الحكومة ممارسة ولايتها التي لا تريد ممارستها للأسباب المذكورة سلفاً عندما يتعلق الأمر بوثيقة تحديث المنظومة، التي -برأي العرموطي- انطوت بعض توصياتها على مغالطات ومخالفات دستورية عدة.
طبعاً، بالمقابل، الحكومة أيديها بالنيران الواقعية، ومنشغلة باليومي، وتؤسس لاستجابة تصل إلى مستوى الامتثال السياسي، ولا يبدو الحديث عن شكليات ممارسة الولاية العامة هو الأساس في إدارة مشهد اليوم بعد سنوات طويلة من التقاليد الحكومية التي أعادت إنتاج مسألة الولاية وكيفية ممارستها.
تريد الحكومة دعم وإسناد رؤية مرجعية تفتح صفحة جديدة بعد صفحات مقلقة ومأزومة نتجت عن هندسة الانتخابات الأخيرة. ويريد معارضون وطنيون مثل العرموطي وليث شبيلات وغيرهما، التركيز على ما تسمح به أو تحظره فقط نصوص الدستور.
ويلاعب التيار الإسلامي، أكبر تيارات المعارض الداخلية، جميع الأطراف بنفس التوقيت وفي سلوك سياسي وحزبي شرعي إلى حد ما، لكنه لا يحسم في مسألة الدستور والاحتكام إليه.
وثمة لجنة تشكلت وخاضت بالتفاصيل، وتحظى توصياتها بدعم سياسي كبير من القصر الملكي وتوافقت عليها مؤسسات، وأجهزة الدولة تبحث –بالتوازي- عن مكانها وموقعها وحجمها وتأثيرها.
بالتالي، يمكن القول إن الطريقة الوحيدة المنتجة سياسياً اليوم تحت عنوان المضي إلى الأمام بتقنية الوزير المعايطة، قد تكون هي الوحيدة المتاحة وقتياً وزمنياً، فدرب العودة إلى الولاية العامة والاحتكام إلى الدستور طويل، ولا يزال شبح القاعدة السياسية يطل برأسه على المشهد عندما يتعلق بالتقاط فكرة المزاوجة بين كلفة وفاتورة الإصلاح وعدمه.
بمعنى له علاقة بخلاصة ختامية، فالصيغة التي اقترحت عبر لجنة تحديث المنظومة قد تمثل أفضل سيناريو متاح لتحقيق تقدم مادام الحديث عن الولاية العامة والاحتكام للدستور قد يؤجج صراعات بين مراكز القوى، ضجرت منها قيادة الدولة وأرهقت الناس.
المطلوب في النتيجة هو السماح لهذه الصيغة بالولادة لأنها قد تشكل خطوة أولى تقنع جهات القرار العميقة، وحتى -بتقدير وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر- عدم صحة القاعدة التي تقول وتخيف الدولة، وهي تقول «كلفة الإصلاح الحقيقي أعلى من كلفة عدمه». وما يحاول قوله رئيس اللجنة الملكية سمير الرفاعي، وبعض رفاقه من الشخصيات الخبيرة في اللجنة، هو أن ما حصل يوفر فرصة على شكل صفقة أو تسوية يمضي بها الجميع إلى الأمام ودون فواتير أو كلفة.
وعملياً أيضاً، دون أن يعني ذلك بالضرورة توفير ضمانات أكيدة وذات قيمة بأن تتغير معطيات الاشتباك، بدلالة أن اللجنة الملكية سميت بتحديث المنظومة السياسية، ولم يطلق عليها -كما قال لـ«القدس العربي» الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض الشيخ مراد العضايلة- اسم «لجنة الإصلاح السياسي».
في ختام المشهد، لا يعني ذلك إلا تلك التسوية؛ فتحديث المنظومة تعبير أدق عن واقع الحال، والحديث عن الاحتكام الكامل من الدستور أو الولاية العامة أبعد بمسافات عن الواقع الموضوعي الآن على الأقل. لكن الخشية موجودة وبقوة بالمقابل؛ بأن تعبث نفس القوى التي همشت في الماضي وطوال عقدين مبدأ الولاية العامة وقلصت من شعار الإصلاح السياسي، بأوراق تحديث المنظومة وجوهر المخرجات عند الانتقال الحصري للتنفيذ… هنا تحديداً يحصل المحظور الأكبر، وما سيتبقى هو صدام يخسر فيه الجميع.

المصدر : القدس العربي 

أخبار ذات صلة

0 تعليق