صدر حديثًا كتاب جديد للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة السابق، بعنوان «ما بعد الأصولية والعلمانية.. البحث عن الطريق الثالث»، حيث يقدم فيه مشروعًا فكريًا لإعادة بناء العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، وتجاوز الثنائية التقليدية بين الأصولية الدينية والعلمانية الراديكالية، من خلال طرح طريق ثالث يقوم على الدولة الوطنية العادلة، والمواطنة المتساوية، وحماية التعددية الدينية والفكرية.
ويقع الكتاب في نحو 160 صفحة، موزعة على خمسة فصول، تتناول جذور التعصب الديني، وتوظيف العقيدة في السياسة، والعلاقة بين الخطاب الديني والاقتصاد، وتطوير فقه المقاصد إلى فقه الدولة، وصولًا إلى تأسيس تصور فلسفي لدولة تتجاوز الاستقطاب بين الأصولية والعلمانية.
ويطرح الدكتور محمد الخشت سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن بناء دولة وطنية حديثة دون الوقوع في فخ التكفير الأصولي أو الإقصاء العلماني؟ وكيف يمكن أن يتعايش أصحاب العقائد والرؤى المختلفة في دولة واحدة، دون أن تتحول عقيدة أي طرف إلى مصدر للهيمنة على الآخرين؟.
وينطلق المؤلف من أن الأزمة لا تكمن في وجود عقائد مختلفة، وإنما في تحويل الاختلاف العقدي إلى صراع على السلطة والحقوق. ولذلك لا يكتفي بالدعوة إلى التسامح، وإنما يبحث عن أسس فكرية ودستورية تجعل المواطنة والكرامة والحرية والمساواة والإنصاف حقوقًا مشتركة لجميع المواطنين، لا امتيازات تمنحها الأغلبية للأقلية.
ويبدأ الكتاب بتفكيك الجذور التاريخية والفكرية للتعصب الديني، من خلال نقد مفهوم «الفرقة الناجية» وتوظيفه في تكفير وإقصاء المختلفين، وتتبع تاريخ الفرق الإسلامية واليهودية والمسيحية، موضحًا كيف يمكن أن يتحول الاعتقاد بامتلاك الحقيقة الدينية إلى ادعاء احتكار النجاة، ثم إلى تكفير الآخرين ونزع المشروعية عنهم.
ويمتد هذا النقد إلى مفاهيم الحاكمية والولاء والبراء، حيث يعيد "الخشت" مناقشتها في ضوء السياق القرآني والتاريخي، ويميز بين الاختلاف العقدي والخلاف السياسي، وبين الأحكام الدينية والاجتهادات البشرية في إدارة شؤون الدولة. ويؤكد في هذا السياق ضرورة تحرير العقيدة من أهواء السياسة، ورفض إضفاء القداسة على الصراعات البشرية حول الحكم والسلطة.
وفي محور آخر، يفتح الكتاب ملف العلاقة بين العقيدة والاقتصاد، انطلاقًا من أن عقائد الإنسان عن العالم والعمل والسلطة تؤثر في سلوكه الاقتصادي، إلى جانب العوامل المادية والتاريخية. ويميز الخشت بين خطاب ديني قديم قد يغذي الاتكالية والخضوع واقتصاد الريع، وخطاب ديني جديد يعيد الاعتبار إلى العمل والإنتاج والعقلانية والقيمة المضافة.
ويطرح الدكتور محمد الخشت، سؤالًا عن إمكان تحقيق نهضة اقتصادية مستدامة دون مراجعة أنماط التفكير التي تعوق المبادرة والإبداع والإنتاج. ومن أبرز الإضافات الفكرية للكتاب الانتقال من «فقه الاحكام السلطانية» إلى «فقه الدولة الوطنية »، حيث يطرح الخشت تصورًا يجعل الدولة العادلة شرطًا مؤسسيًا لتحقيق المقاصد الشرعية وحماية الحقوق والحريات، وليس مجرد أداة لتنفيذ الأحكام.
ومن هذا المنطلق، يعيد مناقشة الضروريات الخمس في ضوء التحولات الحضارية، ويطرح تطوير النظرية المقاصدية بالانتقال إلى مقاصد عليا، تشمل الكرامة والحرية والمساواة والإنصاف والرحمة. كما يقدم تصورًا للطبقات السبع للمقاصد في فقه الدولة.
ويصل الكتاب إلى أطروحته المركزية في الفصل الخامس، الذي يحمل عنوان «ما بعد الأصولية والعلمانية»، حيث يناقش حدود مفهوم التسامح التقليدي، وينتقل من التسامح بوصفه سماحًا بوجود المختلف إلى المواطنة بوصفها حقًا متساويًا لا يتوقف على إرادة الأغلبية أو السلطة، وبذلك لا يعني الطريق الثالث التوفيق بين الأصولية والعلمانية أو اختيار موقف وسط بينهما، بل تجاوز السؤال التقليدي عن العقيدة التي ينبغي أن تحكم الدولة، إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف تُبنى دولة عادلة تضمن الحقوق المتساوية لأصحاب العقائد المختلفة؟.
وتتجلى أهمية الكتاب في محاولته الانتقال من نقد المفاهيم الدينية والسياسية الموروثة إلى تقديم بديل فلسفي ومؤسسي، يربط تجديد الخطاب الديني بالتنمية الاقتصادية، ويعيد بناء الفقه المقاصدي في أفق الدولة الوطنية الحديثة، ويجعل العدل أساسًا لتنظيم العلاقة بين المشترك الإنساني والاختلاف الديني والفكري.
ويأتي هذا الكتاب الجديد امتدادًا للمشروع الفكري للدكتور محمد عثمان الخشت في تجديد العقل الديني والتمييز بين الدين والفهم البشري للدين.
يذكر أن الدكتور محمد الخشت أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة والمعاصرة، وعضو المجلس العلمي الأعلى بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في أبوظبي، ورئيس جامعة القاهرة السابق خلال الفترة من 2017 إلى 2024، وقد شغل قبل ذلك منصب المستشار الثقافي المصري في المملكة العربية السعودية، وله إنتاج علمي وفلسفي واسع في فلسفة الدين وتاريخ الأديان وتجديد الخطاب الديني، من أبرز مؤلفاته «نحو تأسيس عصر ديني جديد»، و«مدخل إلى فلسفة الدين»، و«أسس بناء الدولة الحديثة»، و«المعقول واللامعقول في الأديان»، إلى جانب «موسوعة الأديان العالمية» الصادرة في ستة مجلدات.
ومن المقرر تنظيم حفل إطلاق الكتاب وتوقيعه، بحضور مؤلفه، في الخامسة والنصف مساء غدٍ الجمعة، في ركن التواقيع بمعرض الشارقة الدولي للكتاب.
- السفارة المصرية في أبوظبي تكرم الخشت احتفاءً بفوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب
- الخشت: لا أحد يحكم باسم الله.. والاجتهاد البشري ليس مقدسًا
- إصدارات معرض الكتاب.. مقتطفات من القلب كتاب جديد لـ زينب عمرو - الفجر سبورت
- «الحشاشين الجدد».. قراءة في فكر الصباح والبنا من القلاع السرية إلى التنظيمات المغلقة - الفجر سبورت
- «الأعلى للجامعات» يؤكد جاهزية الكليات والمعاهد لاستقبال الطلاب 28 سبتمبر - بوابة المساء الاخباري





