انتهاكات جديدة وقلق أوروبي.. هل اقتربت إيران من «القنبلة النووية»؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في تحول أوروبي جديد تجاه الملف النووي الإيراني، قالت كبرى الدول الأوروبية الجمعة إن إيران تجازف بفقدان فرصة مباشرة الجهود الدبلوماسية لتنفيذ اتفاق 2015 بالكامل بشأن برنامجها النووي بعد أن بدأت إنتاج اليورانيوم المعدني في أحدث انتهاك للاتفاق.

 

وقالت بريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيان "من خلال زيادة عدم امتثالها، تقوض إيران فرصة العودة إلى الدبلوماسية لتحقيق أهداف خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل كامل".

 

وأنعش تولي الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأمل بإمكانية إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج طهران النووي من خلال محادثات جديدة بعد انسحاب سلفه دونالد ترامب منها في عام 2018.

 

وكانت باريس وموسكو دعيتا أمس، الخميس،طهران إلى التحلي بالمسؤولية على صعيد الملف النووي، غداة تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية يشير إلى بدء إيران انتاج اليورانيوم المعدني، في أحدث إجراء ضمن سياسة التخلي تدريجاً عن مسؤوليات نصّ عليها اتفاق عام 2015.

 

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان، "من أجل الحفاظ على الحيز السياسي للبحث عن حل تفاوضي، ندعو إيران إلى تجنّب اتخاذ أي تدبير جديد يؤدي إلى مفاقمة الوضع".

 

ومن جانب آخر، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف لوكالة "ريا نوفوستي"، "نفهم منطق الإجراءات والأسباب التي تدفع إيران، (ولكن) رغم ذلك فمن الضروري التحلي بضبط النفس والنهج المسؤول".

 

وقبل ذلك بيوم، أي الأربعاء، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران بدأت إنتاج اليورانيوم المعدني، موضحة أنها "تحققت" في 8 فبراير من وجود "3,6 غرامات من اليورانيوم المعدني في منشأة أصفهان" (وسط). وتعدّ هذه المسألة حساسة إذ إنّ اليورانيوم المعدني قد يستخدم في إطار صناعة أسلحة نووية.

 

ورغم أن إيران تنفي نيتها امتلاك قنبلة نووية، إلا أن المجتمع الدولي يشكك في ذلك، ويطالب طهران بالشفافية الكاملة.

 

لماذا التفاوض؟

حاولت الخارجية الأمريكية خفض المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج والدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي من عودة تلقائية وسريعة للاتفاق النووي من دون مناقشة الملفين المهمين للأطراف الإقليمية والأوروبية " برنامج الصواريخ البالستية وسياسات إيران الإقليمية "، وذلك بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الذي قال بأن إيران على بٌعد أسابيع من امتلاك مواد لازمة لصنع سلاح نووي، وبالتالي يجب التحرك سريعا، ملمحاً في الوقت ذاته الى استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للعودة للاتفاق النووي إذا عادت إيران للوفاء بالتزاماتها ومن ثم العمل على اتفاق أشمل وأوسع يشمل القضايا الخلافية الثانية.

 

تصريحات بلينكن المبهمة وغير الواضحة بين العودة التلقائية للاتفاق واستشارة الحلفاء والكونغرس، أثارت القلق من إمكانية العودة السريعة للاتفاق النووي بذريعة منع إيران من الوصول الى السلاح النووي وبالتالي إهمال ملفي الصواريخ البالستية وسياسات إيران الإقليمية، بمقابل تفرغ إدارة بايدن للملفات الأمريكية الداخلية وقضية مواجهة الصين اقتصاديا وسياسياً، وهي القضايا الأهم في أجندة بايدن بحسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين في إدارته.

 

وبتعبير أدق لهذا القلق المتزايد في الأوساط الدبلوماسية " لماذا ستجلس إيران على طاولة المفاوضات للحديث حول برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية إذا تم رفع جميع العقوبات الاقتصادية عنها بشكل تلقائي عندما تعود الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق النووي؟؟"، وهذه النقطة لها حساسية وأهمية كبيرة من أن تقوم إدارة بايدن بعملية التفاف على مصالح حلفائها، وبالتالي هذا ما استدعى تشديد اللهجة الأوروبية الذي أصبح صوتها أعلى من صوت الإدارة الأمريكية الحالية بما يتعلق بالبرنامج الصاروخي وسياسات طهران الإقليمية المزعزعة للاستقرار .

 

وإذا كانت إيران فاوضت لمدة 10 سنوت على برنامجها النووي تحت ضغط عقوبات اقتصادية أممية قاسية، فكم سيستغرق الوقت من المفاوضات التي ستخوضها حول برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية في حال رُفعت عنها العقوبات وتمتعت بهامش كبير من المناورة.

 

مزيد من التصعيد ..

أصبحت قضية انسحاب إيران من التزاماتها النووية أكثر جدية خلال الأسابيع الأخيرة بعد أن أقر البرلمان قانون "الإجراء الاستراتيجي لرفع العقوبات" في 2 ديسمبر الماضي، والذي ألزم الحكومة برفع نسبة التخصيب إلى 20%.

كما نص على طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إيران إذا لم يتم رفع العقوبات المالية والمصرفية والنفطية بحلول مارس، وكذلك تعليق البروتوكول الإضافي لحظر الانتشار النووي.

 

وقامت إيران بالخطوة الأولى برفع نسبة تخصيب اليورانيوم الى 20٪ وهي نسبة أعلى بكثير من الحد المسموح لها وهي 3،65٪، كما أعلنت طهران بشكل مباشر بأنها ستنسحب من البروتوكول الإضافي لحظر الانتشار النووي في مارس القادم إذا لم يتم رفع العقوبات الاقتصادية.

 

لتتبقى الخطوة الثالثة من قانون "الإجراء الاستراتيجي لرفع العقوبات" وهي طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية " وهي خطوة يمكن أن تقوم بها إيران بأي لحظة بعد مارس" ، ولكن السلطة في طهران قامت بخطوات أكثر تصعيدا بعدما نصبت 696 جهازا للطرد المركزي من جيل IR2M بسعة 4 أضعاف الجيل السابق في منشأة نطنز، بالإضافة إلى نصب سلسلتين من جيل IR6 في فوردو، قرب العاصمة طهران.

 

وأكدت إيران في وقت سابق رفض العودة للتفاوض بشأن برنامجها النووي، مطالبة واشنطن والعواصم الغربية باحترام الاتفاق القائم، وفي الوقت ذاته صعّدت لهجتها ضد فرنسا التي طالبت بإشراك السعودية في المحادثات.

 

وشدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده على أن "الاتفاق النووي اتفاق دولي متعدد الأطراف صدق عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، وهو غير قابل للتفاوض، كما أن الأطراف فيه واضحة وغير قابلة للتغيير".

وأضاف أن تفعيل الاتفاق النووي أمر سهل ويتطلب عودة واشنطن إليه ورفع عقوباتها.

 

ودعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الاتحاد الأوروبي إلى التوسّط بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية للإنقاذ الاتفاق النووي المبرم بين الدول الكبرى وإيران والذي انسحبت منه واشنطن في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

 

وجاء في تصريحات أدلى بها ظريف لشبكة "سي.إن.إن" الإخبارية الأميركية أنه "يمكن أن تكون هناك آلية" إما لعودة "متزامنة" للبلدين إلى الاتفاق النووي، وإما "تنسيق ما يمكن القيام به". واقترح ظريف أن يحدّد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل "التدابير، التي يجب أن تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية وتلك التي يجب أن تتخذها إيران".

 

ويفتح اقتراح ظريف للمرة الأولى المجال أمام آلية "متزامنة"، على الرغم من تشديده على أنّ الأميركيين، الذين خرجوا من الاتفاق، يتعيّن عليهم أولاً "أن يبدوا حسن نيتهم".

 

ـ الوساطة الأوروبية 

 

لا زالت الدول الأوروبية تحاول انقاذ الاتفاق النووي ومنع إيران من الوصول الى القدرات النووية العسكرية بكل الوسائل الممكنة، ولطالما بقيت الدول الأوروبية بين المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني ولكن استراتيجية الاتحاد الأوروبي التي كانت تطالب بعودة سريعة من الجانبين للالتزام ببنود الاتفاق قد تغيرت في الأسابيع الأخيرة .

 

فبينما قال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو إن الأولوية بالنسبة لدول الاتحاد هي عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي.

 

قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قبل أيام بأن أي مفاوضات قادمة مع إيران ستكون صارمة للغاية ويجب أن تشمل نقاط البرنامج الصاروخي البالستي بالإضافة الى سياسات إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار، داعيا في الوقت نفسه الى عدم تكرار خطأ عام 2015 وعدم إشراك الدول الإقليمية في المفاوضات القادمة.

 

وفي نفس السياق قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في تصريحات سابقة بأن العودة للالتزام ببنود الاتفاق النووي الموقع عام 2015 لن تكون كافية، ويجب الحديث حول برنامج إيران للصواريخ البالستية بالإضافة الى سياساتها الإقليمية .

 

أي أن الموقف الفرنسي والألماني رأسي حربة الدبلوماسية الأوروبية أصبح أكثر تشددا فيما يتعلق بالتعامل مع إيران في أي مفاوضات قادمة، وهذه نقطة إيجابية لمنع أي تنازلات متوقعة من إدارة بايدن.

 

وبالتالي فإن الموقف الأوروبي سيكون بين جزئيتين بالغتي الصعوبة.

 

الأولى: تتمحور حول العمل على عودة الطرفين الأمريكي والإيراني للالتزام ببعض بنود الاتفاق النووي من أجل الهدف الأكبر وهو منع إيران من الوصول الى قدرات نووية أكبر تمكنها من الحصول على مواد تكفي لصناعة سلاح نووي .

 

وهنا تكمن مشكلة الوقت المحدود كما أشار كل من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون و وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.

 

والثانية: هي العمل على ضمان مفاوضات موسعة وصارمة تشمل النقاط الثلاثة، " برنامج إيران النووي، وبرنامجها للصواريخ البالستية، بالإضافة الى سياسات إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار" .

 

وهنا يكمن الدور الأوروبي في عدم تكرار خطأ عام 2015 الذي تحدث عنه ماكرون بما يتعلق بسياسات إيران الإقليمية.

 

ويبدو بأن هناك قناعة أصبحت متأصلة لدى الدول الأوروبية حول تراخي إدارة بايدن في الضغط على إيران وربما إبرام اتفاق سريع بدون أن يشمل النقاط التي تثير قلق الأوروبيين والدول الإقليمية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

 

ولذلك اتجه الموقف الأوروبي ليكون أقرب الى موقف الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، بعد أن كان الأوروبيون طوال السنوات الماضية هم الوسيط الذي يسعى لإعادة الطرفين للاتفاق النووي وإبقاء إيران بعيدة عن الوصول لقدرات نووية كبيرة.

 

بمعنى أدق، قد تقبل إيران بصيغة العودة للاتفاق النووي والالتزام ببنودها بالتزامن مع عودة الولايات المتحدة الأمريكية ورفع العقوبات ومن ثم تقبل بالتفاوض حول برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، وهنا قد تمتد هذه المفاوضات لأعوام طويلة تكون إيران قد استعادت قوتها الاقتصادية ونفوذها السياسي استعدادا لجولة عقوبات جديدة.

إخترنا لك

0 تعليق