الاغتيالات تعود للبنان.. هل قتل «حزب الله» لقمان سليم؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عادت الاغتيالات السياسية لتحلق بوجهها القبيح من جديد فوق سماء لبنان، بعدما عثرت أجهزة الأمن فجر اليوم الخميس على جثة الناشط الحقوقي لقمان سليم، المعروف بموافقه المدافعة عن الحريات والمنتقدة لحزب الله وحليفته إيران، وهو ما جعل الحزب المتهم الأول في عملية الاغتيال.

 

ورغم أن القوى السياسية اللبنانية على مختلف مشاربها سارعت إلى إدانة جريمة الاغتيال، لكن المواقف تباينت فيما يتعلق بالقاتل، فالقوى المناوئة لحزب الله ربطت الجريمة بشكل مباشر بالمواقف السياسية للقمان، ما يعني توجيه الاتهام إلى حزب الله وحلفائه.

 

في حين دعت القوى الحليفة للحزب إلى التروي قبل توجيه الاتهامات والانتظار حتى تقوم الأجهزة الأمنية بإجلاء الحقيقة، وهو أمر لم يحدث من قبل في لبنان، الذي يدفن فيه سر القاتل مع جثمان القتيل.

 

توقيت مريب

ومن اللافت أن عملية اغتيال لقمان تزامنت مع حراك سياسي مكثف من أجل انهاء الفراغ الحكومي والانتهاء من تشكيل حكومة جديد، حيث تواجه رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري إلى القاهرة للحصول على دعمها ووساطتها من أجل حلحلة الجمود السياسي المخيم على البلاد منذ عدة أشهر.

 

وبالتوازي كانت فرنسا تعيد بث الحرارة في مبادرتها من أجل تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى انقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي الذي أصبح وشيكا منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي.

 

ورغم منطقية الحديث عن أن عملية الاغتيال قد تكون نفذت بأيدي معادية لحزب الله من أجل توريط الأخير في مزيد من المتاعب في توقيت بالغ الصعوبة ومع قدوم إدارة أمريكية جديدة تنوي الانفتاح على إيران، الداعمة الرئيسية للحزب، إلا أنه في المقابل فإن الحزب يبدي حساسية شديدة تجاه أي أصوات معارضة له من داخل الطائفة الشيعية، كما هو حال لقمان سليم، الذي تمسك رغم انتقاداته العنيفة للحزب، بمواصلة الإقامة في الضاحية الجنوبية، معقل الحزب الحصين في بيروت.

 

وترجع هذه الحساسية إلى خشية الحزب من تصدع الحاضنة الشعبية الداعمة له، حيث يحتكر الحزب مع حركة أمل تمثيل الطائفة سياسيا واجتماعيا، وأي تهاون في ذلك قد يسمح بظهور تيارات جديدة تزعزع تلك الحاضنة، خاصة أن الدور العسكري والأمني للحزب يتطلب بيئة حاضنة شديدة التمسك وعصية على الاختراق.

 

ووجهت شقيقة وأصدقاء سليم الاتهام مباشرة إلى حزب الله، وقال رئيس تحرير موقع جنوبية، الصحفي المعارض لحزب الله علي الأمين لموقع "الحرة" الأمريكي: "هي رسالة للجميع بأن لا أحد في أمان. لقمان كان لديه الكثير من العلاقات التي من الممكن أنها أزعجتهم. وأيضاً اليوم نحن في مرحلة انتقالية خاصة على صعيد إقليمي وتغير الإدارة في أميركا، وبالتالي هناك من يُريد أن يوصل رسالة خارجية في هذا التوقيت بالذات".

 

كما اتهم الكاتب والأستاذ الجامعي مكرم ربح "حزب الله بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وقال لموقع "الحرة": "السياسة هواية لدى حزب الله. عملهم الأساسي أمني واغتيالات، وهم على الأرجح يعتقدون أنه بالمرحلة المقبلة ستكون هناك أصوات عالية ضدهم وهو ما بدأ يظهر، وبالتالي قرروا أن يتخلصوا من لقمان لتكون رسالة للجميع".

 

تشكيك في الدوافع

في المقابل، دعا التيار الوطني الحر، حزب الرئيس اللبانين وحليف حزب الله، إلى "عدم استغلال الجريمة لإثارة الفتنة، خصوصا أن مصطادي الدماء الاعتياديين بدأوا بعملية الاستثمار السياسي".

 

وعثر على لقمان سليم المعروف بمواقفه المنتقدة لحزب الله مقتولا بالرصاص اليوم الخميس في جنوب البلاد، على ما أفاد مصدر أمني وكالة فرانس برس. وسليم باحث وناشط مدافع عن حقوق الإنسان، وملتزم التوعية الثقافية والسياسية حول مواضيع المواطنة والحريات، وناقد في مقالاته وإطلالاته التلفزيونية لحزب الله، القوة السياسية والعسكرية الأكثر نفوذا في لبنان.

 

وقال مصدر أمني إنه تم العثور على سليم "مقتولا بإطلاق نار في رأسه داخل سيارته في العدوسية" في جنوب لبنان. وكانت عائلة الناشط والباحث السياسي أبلغت عن اختفائه مساء الأربعاء، مشيرة الى أنه غادر قرية جنوبية وكان يفترض به أن يعود الى بيروت.

 

وأوضح المصدر الأمني أن "سليم كان يزور صديقاً له في الجنوب"، مشيراً إلى أن القوى الأمنية لم تعثر على أوراقه الثبوتية، وقد تعرف مقربون منه عليه. وعثر على السيارة "على طريق فرعي في العدوسية" في قضاء الزهراني حيث توجه الطبيب الشرعي.

 

من المستفيد؟

وأوضح المصدر أنه "تبين أنّ سليم قُتل بخمس رصاصات في الرأس ورصاصة في الظهر" مرجحا حدوث الوفاة عند الساعة الثانية صباحا.

ولم تتمكن الجهات الأمنية بعد من تحديد ظروف الجريمة، إلا أن شقيقته رشا الأمير، وقبل الإعلان عن وفاته، ربطت اختفاءه بمواقفه السياسية. وقالت لوكالة فرانس برس "لديه موقف، لماذا ممكن أن يخطفوه؟".

 

وتحدثت عن ليلة صعبة عاشتها مع زوجة سليم بانتظار أن يصلهما خبر عنه، "لم ننم كل الليل، ونحن نتصل بأشخاص عل أحدهم يعلم شيئاً، ذهبنا إلى المستشفيات واتصلنا بالصليب الأحمر، خشينا أن يكون تعرض لحادث سير". وقالت "حزني كبير، أحاول أن ألملم نفسي، لا نعرف ماذا نفعل.. لا أصدق أنني لن أرى اخي وصديقي مرة أخرى".

 

وتابعت "كنت أسأله ألا تخاف يا لقمان أن تعبر عن رأيك بهذا القدر من الحرية؟ كان يجيبني +الموت لا يخيفني+. لقد قتلوا شخصاً نادراً واستثنائياً".

 

وكان سليم (58 عاماً) يدير مركز "أمم" للأبحاث والتوثيق في جزء من منزله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، الأمر الذي كان يُنظر إليه على أنه تحد للحزب الشيعي.

 

خصم عنيد

ينتمي لقمان إلى الطائفة الشيعية، لكنه رافض بشدة للطائفية ويعتبرها إحدى أكبر مشاكل لبنان. وأثار اغتياله موجة انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، وحلّ اسمه أولاً على قائمة الهاشتاج المستخدمة في لبنان.

 

وشدد الرئيس اللبناني ميشال عون على ضرورة الإسراع في التحقيق لجلاء الظروف التي أدت الى وقوع الجريمة والجهات التي تقف وراءها. فيما اعتبر وزير الداخلية اللبناني محمد فهمي عملية الاغتيال "جريمة مروعة ومدانة".

 

وطلب رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب "الاسراع" في التحقيقات لكشف ملابسات الاغتيال الذي وصفه بأنه "جريمة نكراء". واعتبر حزب "القوات اللبنانية" أنه "من غير المسموح إطلاقا تصفية الأحرار بسبب مواقفهم السياسية وقناعاتهم المبدئية وأفكارهم الوطنية".

 

وعبّر المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش عن حزنه "لخسارة لقمان سليم المأسوية"، واصفاً إياه بـ"الناشط المحترم" و"الصوت المستقل والصادق". ودعا السلطات للتحقيق بـ"سرعة وشفافية" في الاغتيال، مشدداً على ضرورة ألا يشبه ما يحصل في التحقيق المستمر في انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس والذي لم ينتج عنه شيء حتى الآن. وأضاف كوبيش "الناس يجب أن يعرفوا الحقيقة".

 

وأعرب سفراء فرنسا وسويسرا والاتحاد الأوروبي عن "حزنهم العميق" و"صدمتهم" إزاء الاغتيال.

 

حياة حافلة

واهتم لقمان سليم كثيرا بتوثيق ذاكرة الحرب الأهلية (1975-1990) خصوصاً لتسليط الضوء على ملف المفقودين. وكان يعمل مؤخراً على مشروع لأرشفة يوميات الحرب السورية. وأسس في مطلع التسعينات "دار الجديد" للنشر. وأنتج مع زوجته الألمانية مونيكا بورغمان فيلمين وثائقيين أحدهما لتوثيق مجزرة صبرا وشاتيلا خلال الحرب الأهلية في لبنان، والثاني حول سجن تدمر في سوريا حيث تعرض سجناء لبنانيون للتعذيب.

 

وعلى حسابيه على "تويتر" و"فيسبوك" ، كان سليم ينشر تعليقات ينقلها عن شخصيتين وهميتين على الأرجح يحملان اسمي "صديقتي الشريرة" و"سعيد الجن". وبين هذه التعليقات، انتقادات لاذعة لحزب الله وإيران الداعمة له. وسبق للقمان سليم أن تحدث عن تهديدات تعرض لها.

 

وفي ديسمبر 2019، تجمّع عدد من الأشخاص أمام منزله في حارة حريك، مرددين عبارات تخوين، وألصقوا شعارات على جدران المنزل كتب عليها "لقمان سليم الخائن والعميل"، و"حزب الله شرف الامة"، و"المجد لكاتم الصوت".

 

وعلى الأثر نشر سليم بيانا اتهم فيه من أسماهم بـ"خفافيش الظلمة" بالقيام بذلك، وحمّل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وحليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري مسؤولية ما جرى و"ما قد يجري" ضده وضد عائلته ومنزله.

0 تعليق