المؤرخ الألماني "هوفمان" .. من الدفاع عن العربية إلى توزيع الخبز

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رمضان مصباح الإدريسي

الأربعاء 02 شتنبر 2020 - 03:30

سبق أن قدمت لقراء هسبريس صديقي المستشرق الألماني "فريدهيلم هوفمان"، الذي سبق أن ترجم لي مقالا من مقالاتي إلى الألمانية، ونشره بالمجلة السويسرية" يودايكا"؛ وكان هذا سبب تعارفنا وتواصل صداقتنا إلى اليوم.

ما يميز هذا المستشرق الشاب والنزيه والوفي لتخصصه الاستشراقي، هو حبه للغة العربية، واستماتته في الدفاع عنها في المحافل التي يحضرها.

هذا الموقف منه، في مواجهة جهابذة الاستشراق الألماني الحاليين، الذين يراهم لا يتقنون العربية، ويتفادون الحديث بها في محاضراتهم، جلب له الكثير من الأعداء والخصومات؛ وقد ظل هذا محور العديد من المراسلات التي جرت وتجري بيننا.

وما دام قراء هسبريس سبق لهم التعرف عليه من خلال مقالات له احتفت بها الجريدة، ونشرتها نشرا لائقا أثر فيه كثيرا؛ طلبت منه، أخيرا، أن يستعيد نشاطه السابق، ويحكي لقراء العربية عموما – داخل الوطن وخارجه - معاناته بألمانيا، كخريج شاب في مجال الاستشراق، وهو يدافع عن اللغة العربية.

وما سيرويه هنا، والكثير مما وافاني به سابقا، يجعل المرء يحار، ويتعجب أن يكون الاضطهاد الفكري عملة رائجة حتى في الدول الغربية الديمقراطية.

ما الذي يجعل ألمانيا الديمقراطية تعرقل المساعي العلمية والبحثية لشاب من خريجي جامعتها، وتدفع به إلى العمل في المخابز، بدل الاستفادة منه، أكاديميا في تخصصه؟

أترككم مع الرجل ليحكي بعض همومه المعرفية "العربية" بلغة عربية فصيحة، كما كتبها، دون أدنى مراجعة مني.

أيّها الأستاذات الكريمات والأساتذة الكرام، يا صديقاتي العزيزات وأصدقائي الأعزّاء:

إنّ معظمكم لم تسمعوا عنّي منذ ما يزيد عن سنتين أو أكثر، واليوم، ولي وقت كافٍ لأني عاطل عن العمل، أريد أن أشرح لكم أسباب سكوتي طوال هذه الفترة المنصرمة الطويلة. ماذا حصل قبل سنتين؟ آنذاك كنت قد أصدرت هذه المقالات الأربعة التالية في مجلة "هسبريس" الإلكترونية المغربية:

مؤرخ يرصد استهانة المستشرقين الألمان بمكانة اللغة العربية

إهمال المستشرقين الألمان للغة العربية .. البروفسور بيسو أنموذجا

إهمال المستشرقين الألمان للغة العربية .. تقصير معرفي وغش أكاديمي

إهمال المستشرقين الألمان للغة العربية .. هذه اقتراحات لتقارب جديد

فكلّفتني وكالة التوظيف المحلّية المسمّاة ﺑ"مركز العمل" والتابعة لدائرة مدينة" توبينغين" بالعمل الليلي كموزِّع في مخبز يبعد عن مدينة" توبينغين" بأربع ساعات من السفر يوميا ذهابا وإيابا. وبسبب ذلك العمل المنهك ليلا لم أستطع أن أستمرّ في النشاط العلمي أو في التواصل معكم، بل ركّزت كلّ انتباهي على إتمام نشر بعض النصوص غير المكمَّلة بعد، مُهمِلاً هكذا علاقاتي الاجتماعية والبحوث العلمية؛ لكنّ صاحب المخبز فصلني عن العمل في منتصف شهر تمّوز/ يوليوز، ما تركني عاطلاً عن العمل ومكّنني في الوقت نفسه من أن أتابع التواصل مع معارفي وأصدقائي العرب.

حقيقةً، لمّا أجبرتني وكالة التوظيف على وظيفة الموزِّع في المخبز، شعرتُ كأنّه ليس صدفةً، بل عقابا مباشرا على مقالاتي المذكورة آنفا. إنّ هذه المقالات تعبّر عن تجاربي الشخصية المخيبة للأمل في حقل الدراسات الاستشراقية الألمانية مدّة ثلاثة عقود، كما عشتها أنا. وأهمّ خلاصة أنّ زملائي المستشرقين الألمان وزميلاتي المستشرقات الألمانيات لا يهتمّون اهتماما فعليا بإتقان اللغة العربية ولا يبذلون جهداً يُذكر لإجادتها الفعّالة والنشطة. بل عكس ذلك، إنّهم يدسّون بانتظام ضدّ من يحاولون تعلّم العربية الفصحى وتطبيقها في التبادل الأكاديمي، مثلما كان واجبا لو كانت إحدى اللغات الأوروبية.

أخيرا أريد أن أؤكّد بديهة من البديهيات، وهي أنّي لا أجبركم أو حتّى أتوقّع منكم تصديق ما كتبتُ في مقالاتي الأربع.

قد يقنعكم أو لا يقنعكم أيّاً كان ردّ فعلكم، فأنا سأواصل سلسلة مقالاتي المعنية بهذا الموضوع، أيْ إهمال المستشرقين الألمان للغة؛ ما عرفته وعشته أنا.

فقط أرجوكم أن تتذكّروا وتتأمّلوا كم من المستشرقين الألمان الناطقين والكاتبين باللغة العربية الفصحى تعرفون أو تعرّفتم عليهم شخصياً؟

إضافةً إلى العمل في المخبز وعواقبه السلبية على نشاطي العلمي، خانني وتخلّى عنّي الأستاذ الدكتور"شتيفان شراينير"ـ رئيس هيئة تحرير مجلة "يودائيكا: مساهمات في تفهّم اليهودية السويسرية" والصادرة في مدينة زيوريخ؛ عندما قطع الصلة معي ولم ينشر مقالاتي المحضَّرة للنشر في مجلّته، دون أن يشرح لي أسباب قراره بقطع الصلة معي. فأنا آسف جدّاً لأني خيبت آمال بعضكم في نشر مقالاتي؛ والمسؤولية يتحملها الدكتور "شراينر".

وكما قلت في السابق، سأواصل سلسلة مقالاتي قدر المستطاع وقدر الوقت الممنوح لي.

طاب يومكم وحفظ الله صحّتكم في أيّام كورونا هذه.

وتقبّلوا فائق تقديري واحترامي

المؤرّخ والمستشرق الألماني فريدهيلم هوفمان.

أخبار ذات صلة

0 تعليق